مكانة العلم وأهميته في الإسلام
الفصل الأول: تعريف العلم
العلم في اللغة: العلم: نقيض الجهل، وعلمت الشيء أعلمه علما: أي عرفته.
العلم في الاصطلاح: اما في الاصطلاح فللعلم تعريفات كثيرة منها:
- هو جملة من المعارف المرتبة في نسق، بحيث ترتبط هذه الوقائع والقوانين بعلاقات محدودة فيما بينها، ويشترط ان يستدعي بعضها بعضا.
- العلم هو الادراك مطلقا اي ادراك الشيء بحقيقته، تصورا كان او تصديقا، يقينا او غير يقين.
- العلم مقدمة للعقل ووسيلة اليه، كما قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾.
- العلم: هو انطباع صورة الشيء في الذهن. وقد عبر عن العلم بالنور، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾. وجاء في الحديث الشريف: « العلم نور يقذفه اللّٰه في قلب من يشاء ».
الفصل الثاني: فضل العلم والعالم
هناك أدلة تبين فضل العلم وأهله في الكتاب والسنة وآثار السلف:
١_ القرآن الكريم
- أمر الله بالرجوع إلى أهل العلم، مما يدل على رفعه مكانة العلماء وبيان أهمية العلم في تحقيق الهداية وإزالة الجهل. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٤٣]
- أمر الله تعالى نبيه محمد ﷺ بالدعاء لزيادة العلم، مما يدل على عظمة العلم في الإسلام ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: ١١٤]
- ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: ٥]
- طلب موسى من العالم ان يعلمه العلم النافع ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: ٦٦]
- فضل المؤمنين بالعلم على كثير من عباده ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: ١٥]
- بين الله أن العلماء أكثر الناس خشية منه ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: ٢٨]
- أن الله فضل العلم وأهله ورفع الله أهل العلم درجات عن غيرهم ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: ٩]
- جعل الله تعالى الأنبياء أعلم البشر وخاتمهم وخيرهم نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: ٢]
- أن العلم سبب في رفع الدرجات لصاحبه ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: ١١]
- أن أول ما دعا إليه الإسلام العلم, حيث أنزل الله تعالى عى الرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: ١ - ٥]
٢_ السنة
- يبقى العلمُ ويخلّد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له ». رواه مسلم
- وجوب طلب العلم عى كل مسلم عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ ». رواه ابن ماجه
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكرُ الله، وما والاه، وعالمٌ أو متعلمٌ ». رواه الترمذي
- عن ابن شهابٍ، قال: قال حميد بن عبدالرحمن: سمعتُ معاوية رضي الله عنه خطيبًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « مَن يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهْه في الدِّين، وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله، لا يضرُّهم مَن خالفهم حتى يأتي أمر الله ». رواه البخاري
- عن حذيفة بن اليمانِ - رضي الله عنهما - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فضل العلم خيرٌ من فضل العبادة، وخير دِينكم الوَرَع ». أخرجه الحاكم واللفظ له
- عن محمد بن جُبَير بن مُطعِم، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيفِ مِن منًى فقال: « نضَّر اللهُ امرأً سمع منا حديثًا فحفِظه حتى يُبلِّغَه غيره؛ فرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ ». رواه أبو داود
- العناية بالقرآن تعلماً وتعليماً عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمه ». رواه البخاري
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَن تعلَّم علمًا مما يبتغى به وجهُ الله عز وجل لا يتعلَّمه إلا ليصيب به عرَضًا مِن الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة ». رواه أبو داود
- عن أبي بَرْزةَ الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسألَ عن عمرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن علمِه؛ فيمَ فعل؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه؛ فيمَ أبلاه؟ ». رواه الترمذي
٣_ آثار السلف
- دوام السكينة، والوقار والخشوع والتواضع لله والخضوع ومما كتب مالك إلى الرشيد: إذا علمت علمًا فَلْيُر عليك علمه وسكينته وسمته ووقاره وحلمه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « العلماء ورثة الأنبياء ».
- قال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار
- وعن السلف: حق على العالم أن يتواضع لله في سِرِّه وعلانيته ويحترس من نفسه ويقف على ما أشهر عليه
- وقال علي رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه.
- وقال بعض السلف: خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل.
- قال أبو مسلم الخولاني: العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عليهم تحيروا.
- قال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
- وعن معاذ رضي الله عنه: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وبذله قربة وتعليمه من لا يعلمه صدقة.
- وقال الشافعي رضي الله عنه: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي.
الفصل الثالث: مراتب العلم
قال الرسول (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « اول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث العمل به ، والرابع نشره » يوضح لنا الحديث الشريف مراتب العلم وهي:
-
الصمت: وهو السكون والانصات، ومن ثم توجيه السمع الى المعلم طلبا لسماع الحديث وفهمه، وفي ذلك شارة الى سبب من اسباب حصول العلم، فان المتعلم لابد ان يسكت عند تلقين المعلم، ويستمع لحديثه حتى تنتقش الصورة العلمية في ذهنه، ومن ثم يتمكن من حفظ الحديث وضبطه.
فقد روى البخاري (ت٢٥٦ه) باسناده عن ابي زرعة عن جرير ان النبي (صلى اللّٰه عليه واله وسلم) قال في حجة الوداع: « استنصت الناس » (صحيح البخاري).
-
الاستماع: اي الاستماع للعلم والقاء السمع الى المعلم، طلبا لسماع الحديث وفهمه. فمن خلال الصمت والاستماع يتمكن المتعلم من فهم الحديث ومن ثم حفظه.
وقد عرف الحفظ بانه: « ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق اليه التغيير والزوال » (تفسير الميزان). اي حفظ العلم وضبطه، وفيه اشارة الى سبب بقائه، ولابد منه، اذ لا ينتفع الانصات والاستماع بدونه.
قال الامام الصادق (عليه السلام): « اكتبوا فأنكم لا تحفظون حتى تكتبوا ».
-
العمل بذلك العلم: اي وجوب اقتران العلم بالعمل، اذا كان ذلك العلم متعلقا بالعمل، والغرض من العمل هو التقرب منه تعالى. فمن البديهي ان التعليم بالأسلوب العملي، او بقصد التطبيق اوقع في النفس، وادعى الى ثبات العلم واستقراره في القلب والذاكرة.
قال الرسول (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « ان العالم اذا لم يعمل علمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا ».
وقال (عليه الصلاة والسلام): « تعلموا ما شنتم ان شئتم ان تعملوا، فلن ينفعكم اللّٰه بالعلم حتى تعملوا ».
وعنه (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « كونوا للعلم دعاة ولا تكونوا له رواة ».
وتبقى هذه الروايات وغيرها نذير لاهل العلم بان يقترن علمهم بعملهم والا فلا فائدة من كل علومهم. فلا بد للمعلم ان يكون صادقا فيما يدعو اليه، وعلامة الصدق ان يطبقه على نفسه، فاذا طابق عمله علمه اتبعه الطلاب وقلدوه في كل من اقواله وافعاله، وقد عاتب اللّٰه المؤمنين على عدم صدقهم فيما يقولون بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾.
وليس يعد عالما من لم يكن بعلمه عاملا، وقيل العلم والد والعمل مولود، فلا تأنس بالعمل مادمت مستوحشا من العلم، ولا تأنس بالعلم ماكنت مقصرا في العمل، ولكن اجمع بينهما.
— الخطيب البغدادي (ت٤٦٣ه)اذا العلم كما يستفاد من الروايات هو ان يلتزم الانسان بما علمه جيدا، قال (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « من عمل بما علم ورثه اللّٰه علم مالايعلم ».
-
نشر العلم: اما المرتبة الاخيرة من مراتب العلم فهي وجوب نشر العلم وتعليمه للاخرين.
قال الرسول (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « ما اخذ اللّٰه الميثاق على الخلق ان يتعلموا حتى اخذ على العلماء ان يعلموا ».
وقال (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « ان اللّٰه يسأل العبد عن فضل علمه كما يسأل عن فضل ماله ».
وعنه (صلى اللّٰه عليه واله وسلم): « يجيء الرجل يوم لقيامة وله من الحسنات كالسحاب الركام او كالجبال الرواسي، فيقول: يارب انيّ لي هذا ولم اعملها ؟ فيقول: هذا علمك الذي علمته الناس يعمل به من بعدك ».
وفي الحديث الشريف تاكيد على ثواب التعليم وفضله. وفي المقابل نهى الاسلام عن كتمان العلم ومنعه عن الاخرين، فقد روى ابن عبد البر (ت٣٦٤ه) بسنده عن ابي هريرة عن النبي (صلى اللّٰه عليه واله وسلم) قال: « من سئل عن علم علمه فكتمه جاء يوم القيامة عليه لجام من نار ».
وقال امير المؤمنين علي (عليه السلام): « تعلم العلم فان تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لايعلمه صدقة ».
المراجع :
١. ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين. لسان العرب. الطبعة الثالثة، بيروت: دار صادر، ١٤١٤هـ.
٢. محمد غانم محيسن. "الحث على العلم والتعلم في السنة المطهرة." مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية، مجلد ٨ (عدد ١)، ١٤٣٧هـ.